علي بن أحمد المهائمي

54

مشرع الخصوص إلى معاني النصوص ( النصوص في تحقيق الطور المخصوص )

وروح الأنس مانعة عن الفتور في السير والزيغ في القصد ، وفي الأودية التوجه إلى الحق بالكلية مع الأنفة من المبالاة بحظوظ النفس من الأعراض والأعواض والوسائط كالعمل والأمل والوثوق به . وفي الأحوال صيرورة الهموم همّا واحدا باستيلاء سلطان العشق ، وفي الولايات همة تعلو الصفات ، وتنمو عن النعوت نحو الذات ، وفي النهايات لا همة إلا لتأثير بمؤثرية الحق في جميع الممكنات ، والمراد هنا ما ذكر في الأودية وما بعدها . والحد عليها أطبق ، والهمة إنما يقال على ما قبلها مجازا ، سيّما فيما قبل الانفلاق ، ويجوز أن يقال المراد بالهمة ها هنا هو القسم الثالث من القول الأخير ، وأما المعنى الثاني والرابع فيختصان بالتأثير في الغي ، والمراد باستقرارها طمأنينة القلوب التي هي فيها ، باعتبار صفاتها بنور الإيمان ومطابقة ما حصل منها للكتاب والسنة ، وذلك لطمأنينة النفس بذكر اللّه تعالى ، بحيث ينقطع عنها الوسواس والهواجس فتمكن نور الذكر فيها أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [ الرعد : 28 ] ؛ وذلك لأنه تعالى واجب الوجود فليس وراءه شيء ، وهو نور محض لا يبقى معه ظلمة والتوجه التام يقوى جهة الحقيقة الحقيّة إلى أن يقهرها كالقطعة من الحديدة المجاورة للنار ، يحصل منها ما يحصل من النار ؛ وذلك لا يمكن إلا بالمحبة الكامنة في العبد ، وظهورها لا يكون إلا بالاجتناب عما بضادها وهو التقوى ، فتنبهك الذي أبان سبحانه وتعالى بمستقرات الهمم مراتب علم اليقين وعينه وحقه ، فاليقين على ما ذكره الشيخ محيي الدين في رسالة « اليقين » ، مقام بين العلم والطمأنينة من يقن الماء في الحفرة إذا استقر فيها أو من اليقين المعقود التي في الرجل تمسك به السفينة ؛ لأنه عبارة عن استقرار العلم في القلب بحيث لا يزول مهما نقل من محل الموقف ، وانتفى عنه انتفى الإيمان وأعقبه الشك ، والشك نوع من الشرك أو تعطيل ؛ ولهذا لما قيل في إبراهيم ما قيل حتى قيل له أو لم تؤمن قال نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم : « نحن أولى بالشك من إبراهيم » « 1 » ، وأثبت فيه اليقين . فمعلوم أن اليقين كان عنده والطمأنينة كانت مطلوبة له ، وهي التي تعطيها العين ؛

--> ( 1 ) رواه البخاري ( 3 / 1233 ) ، ومسلم ( 1 / 133 ) بلفظ ( أحق ) بدلا من ( أولى ) .